الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
55
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سورة اقرأ باسم ربك ثم فتر الوحي ثم نزلت سورة المدثر » . وما في حديث جابر بن عبد اللّه « أن سورة المدثر نزلت بعد فترة الوحي » يحمل على أنها نزلت بعد سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ جمعا بينه وبين حديث عائشة رضي اللّه عنها . وفي « تفسير القرطبي » : أن معظم السورة نزل في الوليد بن المغيرة وأبي جهل . واتفق العادّون على عدّ آيها ثنتين وخمسين . أغراضها جاء في هذه السورة الإيماء بالحرف الذي في أولها إلى تحدي المعاندين بالتعجيز عن الإتيان بمثل سور القرآن ، وهذا أول التحدّي الواقع في القرآن إذ ليس في سورة العلق ولا في المزمل ولا في المدثر إشارة إلى التحدّي ولا تصريح . وفيها إشارة إلى التحدّي بمعجزة الأمية بقوله : وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [ القلم : 1 ] . وابتدئت بخطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم تأنيسا له وتسلية عما لقيه من أذى المشركين . وإبطال مطاعن المشركين في النبي صلى اللّه عليه وسلم . وإثبات كمالاته في الدنيا والآخرة وهديه وضلال معانديه وتثبيته . وأكد ذلك بالقسم بما هو من مظاهر حكمة اللّه تعالى في تعليم الإنسان الكتابة فتضمن تشريف حروف الهجاء والكتابة والعلم لتهيئة الأمة لخلع دثار الأمية عنهم وإقبالهم على الكتابة والعلم لتكون الكتابة والعلم سببا لحفظ القرآن . ثم أنحى على زعماء المشركين مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة بمذمات كثيرة وتوعّدهم بعذاب الآخرة وببلايا في الدنيا بأن ضرب لهم مثلا بمن غرهم عزّهم وثراؤهم ، فأزال اللّه ذلك عنهم وأباد نعمتهم . وقابل ذلك بحال المؤمنين المتقين وأن اللّه اجتباهم بالإسلام ، وأن آلهتهم لا يغنون عنهم شيئا من العذاب في الدنيا ولا في الآخرة . ووعظهم بأن ما هم فيه من النعمة استدراج وإملاء جزاء كيدهم . وأنهم لا معذرة لهم فيما قابلوا به دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم من طغيانهم ولا حرج عليهم في الإنصات إليها . وأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالصبر في تبليغ الدعوة وتلقي أذى قومه ، وأن لا يضجر في ذلك